العيني

29

عمدة القاري

أبو هريرة عن محمد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ) . فذكر أحاديث منها ، وقال : ( بينما رجل يسوق بدنة مقلدة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويلك إركبها ، فقال : بدنة يا رسول الله ، قال : ويلك إركبها ، ويلك إركبها ) . وفي رواية لأحمد من حديث عبد الرحمن بن إسحاق والثوري ، كلاهما عن أبي الزناد ، ومن طريق عجلان ( عن أبي هريرة قال : اركبها ويحك ، قال : إنها بدنة . قال : أركبها ويحك ) . وزاد أبو يعلى من رواية الحسن : ( فركبها ) وللبخاري من طريق عكرمة عن أبي هريرة : ( فلقد رأيته راكبا يساير النبي صلى الله عليه وسلم والنعل في عنقها ) . قوله : ( ويلك ) قال القرطبي : قالها له تأديبا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه ، ولهذا قال ابن عبد البر وابن العربي : وبالغ حتى قال : الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا . قال : ولولا أنه صلى الله عليه وسلم اشترط على ربه ما اشترط لهلك ذلك الرجل لا محالة ، قال القرطبي : ويحتمل أن يكون فهم عنه أنه يترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة وغيرها ، فزجره عن ذلك ، فعلى الحالتين هي إنشاء . ورجحه عياض وغيره ، وقالوا : والأمر ههنا وإن قلنا إنه للإرشاد . لكنه استحق الذم بتوقفه عن امتثال الأمر ، والذي يظهر أنه ما ترك عنادا ، ويحتمل أن يكون ظن أنه يلزمه غرم بركوبها أو إثم ، وأن الإذن الصادر له بركوبها إنما هو للشفقة عليه ، فتوقف ، فلما أغلظ له بادر إلى الامتثال . وقيل : لأنه كان أشرف على هلكة من الجهد ، وويل : كلمة تقال لمن وقع في هلكة ، فالمعنى : أشرفت على الهلكة فاركب ، فعلى هذا هي إخبار ، وقيل : هي كلمة تدعم بها العرب كلامها ولا تقصد معناها كقولهم : لا أم لك ، ويقويه ما تقدم في رواية أحمد : ويحك بدل ويلك . وقال الهروي : ويل كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها ، وويح لمن وقع في هلكة لا يستحقها . وفي ( التوضيح ) : ويلك مخرجة مخرج الدعاء عليه من غير قصد إذ أبى من ركوبها أول مرة . وقال له : إنها بدنة ، وكان صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك فخاف أن لا يكون علمه ، فكأنه قال له : الويل لك في مراجعتك إياي فيما لا نعرف وأعرف ، وكان الأصمعي يقول : ويل ، كلمة عذاب ، و : ويح ، كلمة رحمة . وقال سيبويه : ويح زجر لمن أشرف على هلكة . وفي الحديث ( ويلٌ واد في جهنم ) . قوله : ( في الثالثة ) أي : في المرة الثالثة . قوله : ( أو في الثانية ) أي : أو قال ذلك في المرة الثانية ، وهذا شك من الراوي . ذكر ما يستفاد منه فيه : جواز ركوب البدنة المهداة سواء كانت واجبة أو متطوعا بها ، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفصل في قوله ولا استفصل صاحبها عن ذلك ، فدل على أن الحكم لا يختلف بذلك ، ويوضح هذا ما رواه أحمد من حديث علي ، رضي الله تعالى عنه ، أنه سئل : هل يركب الرجل هديه ؟ فقال : لا بأس ، قد كان النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يمر بالرجال يمشون فيأمرهم بركوب هديهم . وقد اختلفوا في هذا على أقوال : الأول : الجواز مطلقا ، وبه قال عروة بن الزبير ونسبه ابن المنذر إلى أحمد وإسحاق ، وبه قالت الظاهرية ، وهو الذي جزم به النووي في ( الروضة ) تبعا لأصله في الضحايا ونقله في ( شرح المهذب ) عن القفال والماوري . الثاني : ما قاله النووي ، ونقل عنه عن أبي حامد والبندنيجي وغيرهما مقيدة بالحاجة ، وقال الروياني : تجويزه بغير الحاجة مخالفة النص ، وهو الذي نقله الترمذي عن الشافعي ، حيث قال : وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ركوب البدنة إذا احتاج إلى ظهرها ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، وهذا هو المنقول عن جماعة من التابعين : أنها لا تركب إلاَّ عند الاضطرار إلى ذلك ، وهو المنقول عن الشعبي والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، فلذلك قيده صاحب ( الهداية ) من أصحابنا بالاضطرار إلى ذلك . الثالث : ما ذكره ابن عبد البر من كراهة الركوب من غير حاجة ، ونقله عن الشافعي ومالك . الرابع : ما قاله ابن العربي : يركب للضرورة فإذا استراح نزل ، يدل عليه ما رواه مسلم من حديث جابر ، رضي الله تعالى عنه ، أنه سئل عن ركوب الهدي ؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إركبها بالمعروف إذا لجئت إليها حتى تجد ظهرا ، فإن مفهومه أنه إذا وجد غيرها تركها . وروى سعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي ، قال : يركبها إذا أعيي قدر ما يستريح على ظهرها . الخامس : المنع مطلقا ، نقله ابن العربي عن أبي حنيفة ، وشنع عليه بغير وجه . قال بعضهم : لأن مذهبه هو الذي ذكره الطحاوي وغيره : الجواز بغير الحاجة إلاَّ أنه قال : إن وقع ذلك يضمن ما نقص منها بركوبه ، وقيل : ضمان النقص وافق عليه الشافعية في الهدي الواجب كالنذر . قلت : الذي نقله الطحاوي وغيره : أن مذهب أبي حنيفة ما ذكره صاحب ( الهداية ) وقد ذكرناه . السادس : وجوب الركوب ، نقله